Close
+1(437) 533-3559 info@ishtarhose.ca
ًذكرى رحيل صلاح عبد الصبور.. شاعر الحزن الذي مات حزينا

ًذكرى رحيل صلاح عبد الصبور.. شاعر الحزن الذي مات حزينا

دعاء عبد اللطيف

في ليلة صيفية، التف الأصدقاء يستدعون قديم الحكايات وبقايا ذكريات، بدت الجلسة صافية مخلصة للحظة الراهنة، الكل يتحاشى نكأ جراح ما جرى قبل أشهر، لكنّ إعلاء روح الصداقة فوق نزاع السياسة لم يستمر إلى نهاية السهرة؛ وفي لحظة متهورة سقط الساهرون في دائرة الاتهامات ولم ينقض الليل إلا بفقدان أحدهم

احتدم النقاش بين الأصدقاء الذين يعملون جميعاً في حقل الثقافة حول مواقفهم من التطبيع مع إسرائيل، من يؤيد ومن يعارض ومن يحاول التهدئة، ولم يتحمّل الشاعر صلاح عبد الصبور الاتهامات التي وجهت إليه؛ فأصيب بأزمة قلبية قبل أن تنتهي سهرة الأصدقاء ولم ينصرف الليل حتى فارق الحياة

لم يطق قلب فارس الشعر الحر صلاح عبد الصبور النيران الصديقة التي وجهت صوبه متهمة إياه بالخيانة؛ كونه سمح بمشاركة تل أبيب في معرض القاهرة الدولي للكتاب بموجب منصبه كرئيس الهيئة العامة للكتاب وقتئذ

وقد نسجت تفاصيل تلك الليلة خاتمة درامية لحياته؛ وكأنها منسوخة من إحدى مسرحياته التي اتخذت الحزن طابعا لنهاياتها أو جزءاً من قصيدة له تحكي مرثية فارس قديم

“مضت حياته…كما مضت

ذليلة موطَّأة

كأنها تراب مقبرة

وكان موته الغريب باهتاً مباغتاً

الميتة المكررة”

ومع الذكرى الـ40 لرحيل أحد أهم رواد الشعر الحر، حيث غيّبه الموت ليلة 13 أغسطس/آب 1981- يظل ما قدّمه للأدب العربي حاضراً على ألسنة القرّاء ومؤججاً للأشعار في نفوس الموهوبين

تفاصيل النهاية

سبقت الليلةَ الحزينة الأخيرة لصلاح عبد الصبور أشهر مريرة لم يذق فيها سوى علقم تبرير ما جرى في يناير/كانون الثاني 1981

بداية ذاك العام، وُضع الشاعر الحداثي في مأزق كبير؛ فالنظام الحاكم رفع راية السلام مع الكيان الإسرائيلي، والسلام يحتاج -فضلاً عن المعاهدات وافتتاح السفارات- إلى إثبات على الأرض، وقد اختارت السلطة أن تكون الأرض هي معرض الكتاب

وافق الرئيس الراحل أنور السادات على طلب إسرائيل المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكان عبد الصبور يشغل حينها منصب رئيس الهيئة العامة للكتاب؛ ما وضعه في حرج شديد مع المثقفين المصريين الرافضين للتطبيع

وفي كتابه “قطوف من الذاكرة التاريخية” رأى السفير السابق صلاح شعراوي أن عبد الصبور حاول منع تل أبيب من التواجد بالمعرض من خلال التحجج بانتهاء موعد قبول طلبات المشاركة

لكن الأوامر جاءت مباشرة تلك المرة من الرئاسة بقبول تل أبيب داخل المعرض؛ وهو ما وافق عليه رئيس هيئة الكتاب مرغماً، حسب قول شعراوي

وفي يوم افتتاح معرض الكتاب، نظمت لجنة الدفاع عن الثقافة القومية -التي تشكلت عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد 1977- وقفة احتجاجية أمام مقرّ المعرض وتعاملت قوات الأمن بعنف مع المحتجين واعتقلت عدداً منهم

صلاح عبد الصبور اُعتبر أحد رموز الحداثة العربية المتأثرة بالغرب واشتهر بالتأليف المسرحي والتنظير للشعر الحر

وأمام ذلك وعلى مدار أشهر نال عبد الصبور سيلاً من انتقادات المثقفين المصريين إزاء موقفه الصامت تجاه مشاركة إسرائيل في المعرض ثم العنف الذي تعرض له المحتجون

“ماذا جرى للفارس الهمام

انخلعَ القلب وولّى هارباً بلا زمام

يا من يدلُّني على طريق الدمعة البريئة

والضحكة البريئة

لك السلام

لك السلام”

الليلة الأخيرة

في مقال له بمجلة الدوحة الثقافية حمل عنوان “تكوين صلاح عبد الصبور”- روى وزير الثقافة السابق جابر عصفور تفاصيل الليلة التي لم يتحمّلها قلب الشاعر

في تلك الليلة، اجتمع في منزل الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي عدد من المثقفين؛ وهم جابر عصفور وصلاح عبد الصبور وزوجته سميحة غالب والشاعر أمل دنقل وزوجته الكاتبة عبلة الرويني والرسام بهجت عثمان

وكان الشعر حاضراً خلال السهرة من خلال تسجيل صوتي لقصيدة “سوق العصر” للشاعر عبد الرحمن الأبنودي، تهاجم سياسة الانفتاح الاقتصادي التي صارت رمزاً لحقبة السبعينيات

لاقت القصيدة استحسان عبد الصبور الذي علّق قائلاً “صحيح شعب يستاهل ما يجري له ما دام يسكت على سارقيه وما دام لصوصه مطمئنين إلى أنه لا يمكن أن يقرر”؛ وفق ما رواه وزير الثقافة السابق

وأضاف عصفور أن الرسام بهجت عثمان ردّ على عبد الصبور مستنكراً إلقاء اللوم على الشعب في ظلّ خيانة المثقفين له

واستطرد “ارتبك عبد الصبور، وشعر أنه المقصود بكلام عثمان، وسأله عمّن يقصد تحديداً؛ فباغته عثمان بالردّ الذي أودى بحياته “أقصد أمثالك يا صلاح.. أقصد أمثالك من الذين باعوا قضيتهم بملاليم.. أنت بعت يا صلاح”

لم يدافع عبد الصبور عن نفسه، اختار الصمت المحكم الذي لازمه طيلة الأشهر الأخيرة، وسكتت ألسنة الانتقاد هي الأخرى عندما ظهرت على وجه الصديق علامات التعب التي كانت إشارة لأزمة قلبية حادة أودت بحياة رجل اشتهر بكتابة الحزن؛ فمات حزيناَ

“لا أملك أن أتكلم

وأنا أنصحكم أن تلتزموا مثلي

بالصمت المحكم”

رحلة الشعر

في مرحلة التأسيس الفكري، نهل صلاح عبد الصبور من كل ينابيع الشعر القديم، وعندما شعر بالارتواء التام قرر أن يخالف -مع جيل جديد- جريان القصيدة على شكلها المعتاد

وقد انجذب الشاعر الشاب الذي تخرّج من كلية الآداب عام 1951 إلى البناء الحر للقصيدة وأصبح خلال وقت قصير أحد روّاد تيار الشعر الحر أو الحداثي

ومنذ الديوان الأول له “الناس في بلادي” الذي صدر عام 1957؛ مضى عبد الصبور في طريق الشهرة التي حققتها له قصيدة “شنق زهران” التي شملها الديوان

وتبدو المفارقة مؤسّسة لدراما حياة الشاعر الحزين الذي تفتّحت شهرته الأدبية بقصيدة تتحدث عن زهران أحد أبطال حادثة دنشواي الذين شنقهم المحتل الإنجليزي ظلماً، وقتئذ عُدّ رائد الشعر الحر أحد الأدباء الوطنيين ثم بعد ربع قرن توفي إثر كلمات تتهمه بخيانة الوطن

وتتابعت دواوين الشاعر؛ فقدّم “أقول لكم”، و”أحلام الفارس القديم”، و” تأمّلات في زمن جريح”، و”شجر الليل”، و”الإبحار في الذاكرة”

وإلى جانب الإسهام الشعري كانت له عدة مؤلفات تضع في مجملها الأدب والفلسفة والتاريخ كمثلّث معرفي لا غنى عنه، وهي “حياتي في الشعر”، و”في مدينة العشق والحكمة”، و”رحلة الضمير المصري”، و”وتبقى الكلمة”، و”حتى نقهر الموت”، و”قراءة جديدة لشعرنا القديم”، و”رحلة على الورق”، و”أصوات العصر”، و”ماذا يبقى منهم للتاريخ.. طه حسين والعقاد والحكيم والمازني”

وكانت له أيضاً مساهمات في مجال الترجمة، فترجم إلى العربية مسرحية “سيد البنّائين” لهنريك إبسن، ومسرحية “حفل كوكتيل” لإليوت

وفضلاً عن المحبة والتقدير الشعبي نال عبد الصبور التكريم الرسمي فحصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1966، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1982

مسرح شعري

على قدر عذوبة أشعار عبد الصبور إلا أن القارئ لها يشعر أن ثمة سراً متقلقلاً بين الكلمات، وربما الشاعر نفسه وضع يده على ذلك السر؛ إنّ كلماته بحاجة إلى الحركة، أن تتحرك على خشبة مسرح

وبالفعل أخذ فارس الشعر الحرّ يتحرك بحرية تامة فوق المسارح، ورغم أن أعماله المسرحية لم تزد على الخمسة؛ فإنّ أثرها الأدبي والجماهيري فاق مئات الأعمال خلال فترة ستينيات وسبعينيات القرن الـ20 الماضي

إن نجاح المسرح الشعري لعبد الصبور -من حيث حبكة الحكاية وجمال الكلمة ونضج المعنى- دفع بعض النقاد لاعتباره أباً لهذا الفن الأدبي رغم وجود منافسين له في تلك الفترة مثل نجيب سرور وعبد الرحمن الشرقاوي ومن قبلهما أحمد شوقي

أمّا “مأساة الحلاج” فبدأ بها عالمه المسرحي عام 1964، وكانت خير بداية، ورغم أنّ النص المسرحي يستند إلى قصة المتصوّف الحلاج والتي انقضت قبل أكثر من ألف عام؛ فإنّ عبد الصبور نجح في تجديد دمائها وجعل منها قطعة أدبية صالحة للتعبير عن مأساة الإنسان في كل زمان

ومن مأساة الحلاج انطلق لكتابة “مسافر ليل”، والأميرة تنتظر”، و”ليلى والمجنون” “وبعد أن يموت الملك”، وعلى اختلاف الحكايات التي تراوحت بين الرمزية والمباشرة عانى كل الأبطال من آلام الحزن الناتج عن الظلم

ورغم أنّ عبد الصبور لم يكن ثائراً في الواقع؛ فإنّه جعل من مسرحه ساحة للثورة وصنع من أبطاله رموزاً للانتفاضة، فيقول مثلاً على لسان البطل في مسرحية “ليلى والمجنون”:

“يا أهل مدينتنا انفجروا أو موتوا

رعب أكبر من هذا سوف يجيء

لن ينجيكم أن تعتصموا منه بأعالي جبل الصمت أو ببطون الغابات

لن ينجيكم أن تختبئوا في حجراتكم

أو تحت وسائدكم أو في بالوعات الحمّامات

لن ينجيكم أن تضعوا أقنعة القردة

لن ينجيكم أن تندمجوا أو تندغموا حتى تتكوّن من أجسادكم المرتعدة

Add Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *