Close
+1(437) 533-3559 info@ishtarhose.ca
مآسي القرن الماضي تلهم الروائيين وتجتذب الناشرين والجوائز والقراء

مآسي القرن الماضي تلهم الروائيين وتجتذب الناشرين والجوائز والقراء

هيمنة الرواية التاريخية ليست فقط ظاهرة عربية

باريس – للرواية طريقتها في تخليد التاريخ حتى ذلك الذي حدث في مناطق بعيدة عن جغرافيتنا. فعن طريق “مصائر” لربعي المدهون كانت فلسطين حاضرة بتاريخها الطويل مع الإسرائيلي، ومع “الحفيدة الأميركية” لإنعام كجه جي ومن خلال الشابة زينة كانت معاناة بغداد إبان الغزو الأميركي، وفي “الطريق الطويل” لإشمائيل بيه قرأنا عن الحرب في سيراليون، وقرأنا روايات إبراهيم الكوني عن أغوار الصحراء الليبية

ويرى البعض أن الرواية أصبحت وثيقة تاريخية واجتماعية لحياة الشعوب، نظراً إلى ما تقدمه من رؤية أكثر حياة وبساطة للتاريخ، رؤية تتجاوز رتابة التأريخ العادي، وتغوص في ما يسكت عنه المؤرخون، إنها تجعل للتاريخ مشاعر، وهذا ما يحتاجه القراء ليتماهوا مع ذلك التاريخ

ظاهرة عربية

أسئلة التوثيق من الضرورات عند التفكير في الرواية العربية اليوم، بل وعند التأمل في تاريخها أيضا، إذ يمكن للرواية أن تكون وثيقة تاريخية واجتماعية وتتجاوز الواقع العربي المتقلب والذي لا يمكن قراءته وهو يتحرك، لذا لجأ الروائيون إلى قراءته فيما استقر منه من خلال استعادة الماضي لفهم الحاضر

في الرواية التاريخية جمعٌ بين جنس أدبي هو الرواية وعلم من العلوم الإنسانية هو التاريخ، يقوم الأول على الخيال، ويقوم الثاني على حقائق ووقائع موثّقة

عندما نقرأ رواية ما، لا ننتظر أن يقدّم لنا مؤلفها أدلة عمّا روى، حسبه أن يكون عمله مقنِعا، ولكننا لا نقف الموقف نفسه من المؤرخ لأنه يسرد أحداثا وقعت فعلا، ويتحدّث عن أعلام وُجدوا حقّا، فعمله يقتضي إعادة سرد تلك الأحداث وإحياء أبطالها، وإقناعنا، من خلال جهاز وثائقي ألمّ بعناصره ومفرداته، بصدقية سرديته

من دون علاقة محسوسة بالحاضر، يغدو تصور التاريخ مستحيلاً، بيد أن تلك العلاقة التاريخية لا تعني الإيهام بالأحداث المعاصرة، وإنما إحياء الماضي بوصفه ما قبل التاريخ الراهن، ومنح حياة شاعرية لقوى تاريخية واجتماعية وإنسانية أوجدت، عبر مسار تطور طويل، الحياة التي نحياها اليوم.

وربما هذا ما يفسر نجاح الروايات التاريخية العربية في استقطاب القراء، وفي تحقيق أهم الجوائز العربية، وفي تحقيق مقروئية عالية متصدرة المشهد الروائي، وإن كان بعضهم يرى أن الإقبال على الرواية التاريخية كتابة ونشراً وقراءة هو ظاهرة عربية بحتة، فإن تقريراً صدر أخيراً عن انتشار هذا النمط الأدبي في فرنسا يبين أن هذا النوع الروائي مازال سيشهد انتشاراً واسعاً، وكأننا بالعالم يحاول إعادة قراءة ماضيه

مآسي القرن الماضي

مواضيع معاداة السامية ومحرقة اليهود وعذابات أفريقيا والعبودية والحروب وغيرها محور أهم الروايات الفرنسية الجديدة

يطغى التاريخ وجروحه على روايات الموسم الأدبي الجديد في فرنسا الذي يشهد صدور نحو 500 كتاب مرشحة لجوائز الخريف

ويسود تفاؤل كبير أوساط قطاع النشر فيما يتعلق بالمرحلة المقبلة، إذ فوجئت بالأرقام الجيدة جداً للمبيعات منذ ديسمبر الماضي بعدما كانت تخشى الأسوأ خلال فترات الحجر الصحي وإقفال المكتبات سنة 2020

ولاحظ أحد أصحاب المكتبات على “تويتر” أن يوليو على سبيل المثال كان “جيداً جداً لقطاع المكتبات في فرنسا، ولم يشهد تراجعاً في الإقبال مقارنة بالشهر نفسه من العام 2020”. أما النصف الثاني من أغسطس فسيشهد كالعادة صدور أحدث مؤلفات أهم الكتّاب الذين ينتظر القرّاء جديدهم بفارغ الصبر

فأميلي نوتومب تُصدر “برومييه سان” عن دار “ألبان ميشال”، وهي إحدى أفضل رواياتها وتتناول فيها ذكريات متخيَلَة روائياً لوالدها، الدبلوماسي البلجيكي الذي توفي العام الماضي، يكتشف من خلالها القارئ عائلة غريبة الأطوار ويستذكر حلقة مأساوية من تاريخ ما كان يُعرف سابقا بزائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً)

وتوقعت نوتومب ألا تحصل على جائزة “غونكور”، وقالت الثلاثاء لصحيفة “لو باريزيان” الفرنسية “يعتبرون أنني كاتبة حققت نجاحات ولست بحاجة إلى الجائزة، وقد تكون هذه الحجة مقنعة”

كذلك يستحضر سورج شالاندون من خلال “أنفان دو سالو” (دار غراسيه) ومارك دوغان عبر “لا فولونتيه” (غاليمار) وفرنسوا نودلمان في “ليزانفان دو كاديلاك” قصص أسلافهم في خضم مآسي القرن الماضي وحروبه

وتطارد محرقة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية (الهولوكوست) مؤلفين آخرين. فآنّ بيريست تتعمق في جذورها اليهودية بعد تلقيها “البطاقة البريدية” (لا كارت بوستال – دار غراسيه)، فيما تروي جيزيل بيركمان قصة إحدى الناجيات في “مدام” (أرليا). ويتناول كرستوف دونير في “لا فرانس غوي” (غراسيه) موضوع معاداة السامية قبل الحرب العالمية الأولى، في حين يستعيد جان كريستوف غرانجيه اغتيالات داخل المجتمع الراقي في برلين في نهاية ثلاثينات القرن الماضي في “ليه بروميز” (ألبان ميشال)

أما عذابات أفريقيا ومسألة العبودية فتشكّل محور “مامبا بوينت بلوز” (برس دو لا سيتيه) لكريستوف نيجون الذي يأخذ القارئ إلى نيويورك وفرنسا وليبيريا، وكذلك يركّز عليها كتاب “لا بورت دو فواياج سان روتور” (دار سوي) لدافيد ديوب الذي حصل أخيراً على جائزة “بوكر” الدولية، وهو صيغة متخيَلَة روائياً لمغامرات عالم طبيعة فرنسي في السنغال خلال القرن الثامن عشر. وتحضر ألحان البلوز أيضاً في “دلتا بلوز” (غراسيه) لجوليان ديلمير الذي يحكي ولادة هذه الموسيقى في دلتا المسيسيبي

وفي زمن أقرب، تجري أحداث “أو برينتان دي مونستر” (دار مياليه – بارو) لفيليب جينادا عن قضية لوسيان ليجيه الذي ارتكب جريمة هزت فرنسا في ستينات القرن الماضي. أما ميكايل برازان فيروي قصة عضو سابق في الجيش الأحمر الياباني في “سوفونير دو ريفاج دو مور” (دار ريفاج)، فيما تستكشف جولي روكو في “فوري” (أكت سود) المناطق الكردية في سوريا والنزاع الذي تعانيه منذ عشر سنوات

ثمة قصص أخرى شخصية جداً، كتلك التي ترويها كريستين أنغو عن تعرضها لسفاح القربى في “لو فواياج دان ليست” (فلاماريون)، وذكريات إيمانويل لامبير عن اللحظات الجميلة مع والده الذي توفي بالسرطان (لو غارسون دو مون بير عن دار ستوك)

موسو والمبيعات

أبدى النقاد اهتماماً أيضاً بـ”لا ديفينيسون دو بونور” (غاليمار) لكاترين كوسيه عن قصة امرأتين مختلفتين، وكذلك بـ”أون سيرتان ريزون دو فيفر” (دار روبير لافون) للممثل فيليب تورتون عن الصدمات التي عاشها جندي فرنسي سابق خلال الحرب العالمية الأولى، و”لا في كونابيل” (دار مينوي) لتانغي فييل و”بلازما” (ريفاج) لسيلين مينار

إلا أن من المتوقع أن يحقق غيّوم موسو مجدداً مبيعات قياسية من خلال كتابه الجديد “لانكونو دو لا سين” (دار كالمان ليفي) الذي يصدر في الحادي والعشرين من سبتمبر، بعد كل الكتب الآنفة الذكر

أما بين الكتب الأجنبية، فتشكّل كتب “شاغي باين” (غلوب) للبريطاني دوغلاس ستيوارت عن الطبقة العمالية في حقبة التاتشرية، و”مدام حياة” (أكت سود) للتركي أحمد ألتان الذي كُتب في السجن ولم ينشر في بلده، و”غاد لافز هايتي” (كاراييب إديشنز) لديميتي إلياس ليجيه، شهادات على قوة الأدب في مواجهة السياسة

Add Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *