Close
+1(437) 533-3559 info@ishtarhose.ca
كتاب “سياسة الإذلال.. مجالات القوة والعجز”.. أدوار العار في المجتمع الحديث

كتاب “سياسة الإذلال.. مجالات القوة والعجز”.. أدوار العار في المجتمع الحديث

يرى التّصوّر التّقليدي أنّ المجرمين قد خالفوا النّظام الاجتماعيّ، والسّلام العام؛ ولذلك فإنّه يجب أن يُعاقبوا علانيةً، فوجود المتفرّجين يؤكّد على حُكم القاضي ويُسوّغه من جهة، ويحقّق هدف السُّلطة في ردع الآخرين عن تكرار الجريمة من جهةٍ أُخرى، وهذا الردع لا يأتي من الخوف من الأذى البدنيّ للعقوبة فحسب، بل من الخوف من الشعور بالخِزْي والعار، الذي لا يتحقّق إلّا بوجود شهودٍ على الإذلال الحاصل

لكن كيف تتشكّل المجتمعات التي تقبل مثل تلك الممارسات، أو حتّى تطالب بها؟ وما الأنظمة السّياسيّة التي تسمح بالإذلال، وما الأنظمة التي تحاول منعه؟ وهل يمكننا القول: إنّ الإذلال مرتبطٌ بفترة “العصور الوسطى المظلمة” فقط أم إنّ الحداثة “السّاطعة”، والمنيرة، والمتنوّرة قد جلبت معها أساليبَ جديدةً للخِزْي خاصّةً بها، واخترعت ممارساتٍ جديدةً للإذلال؟

في تحليلٍ مذهلٍ للأحداث التاريخيّة والمعاصرة، تُظهر المؤرّخة الألمانيّة أوتا فريفرت الدور الذي لعبه الإذلال في بناء المجتمع الحديث، وكيف استُعمل الإذلال والشعور بالعار الذي يولّده كوسيلةٍ للسيطرة، من عوالم السياسة إلى التعليم المدرسيّ، وأنّ فنّ الإذلال ليس شيئًا من الماضي فحسب، بل تطوّر ليناسب تغيّرات القرن الحادي والعشرين، في عالمٍ لا يكون الإذلال فيه من القوى السياسيّة التي تسيطر علينا فقط، إنّما من قِبَل أقراننا أيضًا

سيدي بوزيد، كانون الأول/ديسمبر 2010. في هذه البلدة التّونسيّة، وأمام بيت المحافظ، قام البوعزيزي بائعُ الخُضار التّونسيّ ذو السّتّة والعشرين عامًا بسكْب البنزين على نفسه، ثمّ أشعل النّار. قبْل ذلك بقليلٍ كانت إحدى الشّرطيّات قد صادرت بضاعته مرّةً أُخرى، ولمْ تكتفِ بذلك، بلْ صفعته على وجهه أيضًا. قيل فيما بعد: إنّ البوعزيزي عندما أحرق نفسه على الملأ، فإنّه قد أعلن بذلك عن أنّه “لمْ يعُد يقبل إهانة الكرامة والإذلال بعد ذلك”. ما لم يكن يعرفه ساعتها أنّ احتجاجه اليائس قد تسبّب في إشْعال النّار على امتداد مساحاتٍ واسعةٍ، لقد تسبّب في “انتفاضة الكرامة”، التي سوف يكتب عنها التّاريخ، ويصفها بالثّورات العربيّة، أو الرّبيع العربي. بدأ حراك المتظاهرين ضدَّ النُّظُم المستبدّة في أماكنَ كثيرةٍ من شمال أفريقيا والشّرق الأوسط، واحتلّوا الأماكن المحوريّة، وتحدّوا حشود الشّرطة، ودائمًا كانت كلمة “الكرامة” تظهر على الّلافتات والجرافيتي وفي منشورات فيسبوك، وعندما سُئِل بعض الرّجال والنّساء عن دوافعهم وأهدافهم في هذا الحراك، قالوا: إنّهم يشعرون بأنّ حكوماتهم تذلّهم، ما جعل الصّحفيّ توماس فريدمان يَخْلص إلى نتيجة أنّ الإذلال يُعدُّ قوّةً سياسيّةً مهمّةً، ولكنْ يُستخفُّ بها في كثيرٍ من الأحيان

أمّا في كليفلاند في أوهايو، وفي عام 2012، فلمْ يكن الأمر يدور حول الإذلال بقدْر ما كان يدور حول الخِزْي، فهناك وقفت شينا هاردن عند أحد التّقاطعات الحيويّة في المدينة، وهي تحمل لافتةً كُتب فوقها: “وحْدها المرأة الحمقاء هي من تصْعد بسيّارتها فوق الرّصيف لتسابق حافلةً مدرسيّةً”، وهذا هو تحديدًا ما فعلته هاردن أكثر من مرّة، ما دفع بالقاضية التي تنظر في قضيّتها إلى الحُكم عليها بغرامةٍ ماليّةٍ، وسحْب رُخْصة قيادتها لمدّةٍ من الوقت، إلا إن هذا لم يكن كافيًا، فقد فرضت القاضية أيضًا ما يُطلق عليه الأمريكان عقوبة العار (Sanction of shame): وهي عقوبة إذلالٍ علنيٍّ وُصِمت بها هاردن علانيةً بالحماقة. المفترض أنّ الغرض من مثل هذه العقوبات هو العقاب والتّأديب، إضافةً إلى التّربية والإصلاح، ولكنْ هل فهمت هاردن هذه الرّسالة فعلًا؟ أوضَحت هاردن في اليوم الأوّل أنّها لا تأبَه لهذا كلّه

كان من الواضح أنّ اهتمام وسائل الإعلام بها يُثير أعصابها، ولكنْ في اليوم التّالي، وبعد أنْ أنذرتها القاضية، أجْبرت نفسها بعد جهْدٍ كبيرٍ على قول إنّها قد تعلّمت الدّرس، ولكنّها لم “تُكْسَر

ذا هو الفرق بين هاردن ذات الثّانية والثّلاثين عامًا وبين إيزابيل لاكسامانا ذات الثّلاثة عشر عاماً، ففي أيار/مايو 2015 قامت الفتاة بالقفز من فوق جسرٍ في ولاية واشنطن الأمريكيّة؛ لأنّها لمْ تستطع تحمُّل الخِزْي العلنيّ الذي ألْحقه بها والدها، فقد غضب الأب؛ لأنّها صوّرت نفسها صورة سيلفي تداولها زملاؤها في المدرسة. تظهر ابنته في هذه الصّورة، وهي ترتدي حمّالة صدرٍ رياضيّةً، وبنطالًا ضيّقًا. عاقب الأب ابنته بقصِّ شعرها، وصوّر نفسه في أثناء قيامه بذلك، وانتشر الفيلم، وأصبح مِحْور حديث المدرسة، هنا أنْهت إيزابيل حياتها

قالت الصّحفيّة التي نشرت الخبر عن الحادث: إنّ ما جرى يذكّرها بالعصور الوسطى المُظلمة، وتستخلص الصّحفيّة من هذا أنّ طقوس الخِزْي لا توجد في النّظام القانونيّ فقط، ولكنّها موجودةٌ أيضًا على جدول العائلات اليوميّ، فقد أصبحت العائلات تستعين بالتّقنيّات الجديدة ووسائل التّواصل الاجتماعيّ لممارسة هذه الطّقوس، ويُعَدُّ فيسبوك ويوتيوب وسائلَ مناسبةً تمامًا من أجل استعراض سوء التّصرّفات الفرديّة، وشجْبها علانيةً، ولكنْ كثيرًا ما يؤدّي هذا الأمر إلى نتائج مأسويّة لمن يُوبَّخ علنًا، فالمراهقون الذين يفتقرون إلى الثّقة بالنّفس، يشعرون في أحيانٍ كثيرةٍ بالعجز أمام مثل هذا الإذلال، ولا يستطيعون مقاومته: إنّهم “يُكسَرون” وينكسرون تحت ثقل المشاهدة العلنيّة والتّعليقات

من أين يأتي هذا الاحتياج عند بعض النّاس إلى استعراض أخطاء الآخرين وفضحهم علانيةً، ولو كان الآخرون أبناءهم؟ ما الهدف من هذا الخِزْي، وما هي الآثار التي تنتج عنه؟ لماذا ينتشر الخِزْي في مجتمعاتٍ تدّعي الاهتمام بالكرامة والاحترام؟ هل ما زالت “العصور الوسطى المظلمة” قائمةً فعلًا أم إنّ الحداثة “السّاطعة”، المنيرة، والمتنوّرة قد جلبت معها أساليبَ جديدةً للخِزْي خاصّةً بها، واخترعت ممارساتٍ جديدةً للإذلال؟

.المصدر: موقع ألترا صوت

Add Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *