Close
+1(437) 533-3559 info@ishtarhose.ca
قراءة في‮ ‬كتاب.. الفوضى الخلاّقة وتمثّلاتها في‮ ‬الخطاب البصري‮ ‬

قراءة في‮ ‬كتاب.. الفوضى الخلاّقة وتمثّلاتها في‮ ‬الخطاب البصري‮ ‬

عـلاء لازم العيـسى

بعد الحديث الصّحفي الذي أدلت به وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة السّابقة كونداليزا رايس لصحيفة ((واشنطن بوست)) في مطلع سنة 2005 حول أحداث عدم الاستقرار في العراق وبعض البلدان العربيّة وهو قولها : (( إنّ الفوضى التي تفرزها عمليّة التحوّل الديمقراطي في البداية ، هي من نوع الفوضى الخلّاقة التي قد تنتج في النهاية وضعًا أفضل ممّا تعيشه المنطقة حاليًا )) . مشيرة إلى نيّة الولايات المتّحدة بنشر الديمقراطيّة في العالم العربي وتشكيل ما يعرف بالشّرق الأوسط الجديد ، صار تعبير ((الفوضى الخلّاقة)) من التعبيرات وربّما الشّعارات ذائعة الصّيت في الكتابات المعاصرة ، إذ انتشر انتشارًا واسعًا بين كتّابنا وباحثينا . وعلى الرغم من وجود هذا المصطلح في الأدبيّات القديمة ، وأنّ بدايات نظريّة الفوضى في الرياضيّات ظهرت على يد الفيلسوف هنري بوانكاريه في سنة 1890 إلّا أنّ مصطلح ( الفوضى الخلّاقة ) لم يطف على السّطح إلّا بعد حديث رايس الذي ذكرناه . والسؤال الذي يطرح بعيدًا عن دهاليز السّياسة ومطابخها هو : ما هي علاقة الفوضى ـــ التي يوحي مصطلحها للوهلة الأولى بالعبث غير المسيطر عليه وبرفض قيمومة العقل المنظّم وعدم الخضوع لجميع أنواع السّلطات السّياسيّة والاجتماعيّة ـــ بساحة الفكر والفلسفة وعلم النفس ، وما مدى تقاربها مع بعض المفاهيم ، مثل : اللعب ، واللامعقول ، واللامتوقّع ، والتفكيك ، والاحتمال ، وغيرها ؟

انضاج مفهوم الفوضى

لقد خصّص الأستاذ مهنّد خالد حميد فصلًا كاملًا من كتابه (( الفوضى الخلّاقة وتمثّلاتها في الخطاب البصري )) في طبعته الأولى التي صدرت أوائل سنة 2021 عن دار الفنون والآداب للطباعة والنشر / البصرة ، لمناقشة مفهوم الفوضى ومقارباتها الفكريّة . فبعد أن تكلّم عن دور نظريّات الفيزياء الحديثة في انضاج مفهوم الفوضى ، وعن دور فيزياء ما بعد الحداثة في تهميش مبدأ الحتميّة الذي كان سائدًا في فيزياء الحداثة ، وانطلاق ما سمّي بالفيزياء الكموميّة لتفسير كيف أنّ تغيّرات صغيرة يمكن أن تُحدث تغيّرات كبيرة ، أشار إلى أنّ مفهوم الفوضى الخلّاقة لم يكن حكرًا على ميدان علميّ أو فكريّ معيّن بل هي فكرة موجودة في الرّياضيّات والنقد الأدبي والفلسفة والعلوم الاجتماعيّة والعلوم الإنسانيّة ، وغيرها من العلوم ، وأنّ الفوضى الخلّاقة (( تقوم على أساس منظومة معرفيّة ، تتولّد من نظام معرفي ، ثمّ تتعرّض إلى جملة من الاختراقات والاهتزازات والتّصوّرات لينهار كلّ ما على سطح هذه المنظومة لتقوم على أنقاضها منظومة معرفيّة أخرى تعيد تنظيم وترتيب موضوعاتها وآلياتها المنهجيّة بشكل مغاير ومختلف )) (ص16)

مقاربات فكريّة

بعدها قام الباحث بمقاربات فكريّة مع مجموعة من المفاهيم مبتدئًا باللعب ، فاللعب هو حالة من الفوضى يكون مصحوبًا بشيء من التوتّر والشد العصبي والشعور المفرط بالأهميّة والقوّة ، ويؤدّي ذلك لفوضى خلّاقة نتيجة ما يعقب حالة التوتّر من الشعور بالارتياح والاسترخاء ، كما أنّه نشاط تلقائي لا يخضع لأيّ ضغط سلطوي . وبعد أن استعرض آراء قسم من الفلاسفة وعلماء النفس والنقّاد في مفهوم اللعب ، أوصل القارئ إلى نتيجة مفادها أنّ هناك علاقة وثيقة بين اللعب والفن باعتبارهما شكلان من أشكال الفوضى ، وأنّ مفهوم اللعب له دور فعّال في الخلق والإبداع ، وتحويل الطاقة الكامنة عند الفنّان إلى فوضى خلّاقة لها دور إبداعي غير متوقّع في ميادين الفكر واللغة والفن

الفوضى واللامعقول

ومن النشاط التفاعلي للعب انتقل الأستاذ الباحث إلى توضيح علاقة مفهوم الفوضى باللامعقول ، وبما أنّ مفهوم اللامعقول ليس وليد اليوم ، فقد تلمّس جذوره أوّلًا في الأساطير اليونانيّة القديمة وفي آراء أفلاطون وأرسطو ، ثمّ تتبّع تطوّره في آراء بعض فلاسفة القرنين التاسع عشر والعشرين . فمن انكار شوبنهاور لغرضيّة العالم وقيمة العقل ، وتسخيفه لفكرة أنّ الحياة سائرة إلى الأفضل ( ص29) إلى فكر بول فيرابند ـــ الذي لقّب بفيلسوف الفوضويّة ـــ ودعوته إلى التحرّر من كلّ القيود بغضّ النظر عن كونها علميّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة ، وهذا يعني تقويض العقلانيّة وجميع اليقينيّات العلميّة ، وإمكان التعدّد والتنوّع الفوضوي في طرائق الفهم وفق مقولة كلّ شيء مقبول . مرورًا بتفسير ألبير كامو لمفهوم اللامعقول بأنّه (( الصراع الذي يحتّم على الإنسان أن يجد طريقه وسط عالم من الفوضى )) ممّا يضطرّه إلى خلق عالم جديد وإبداع عالم بديل يكون على شاكلة الإنسان ومثاله ( ص32) . ومن هنا يتبيّن أنّ الانتقال من عالم اللامعقول الخيالي إلى عالم الواقع المعقول قد يخلق طروحات جديدة من شأنها أن تغيّر مسار تأريخ الفكر البشري ، كما يرى كارل ياسبرز ( ص 34 )

اللامتوقّع والاحتمال

وبما أنّ العلم الحديث أصبح ـــ وفقًا لنظريّة الفوضى ـــ يرفض مبدأ الحقيقة المطلقة ، وأصبحت مفردات الجزم والثبات والحتميّة مفردات مرفوضة الاستعمال في السياق العلمي ، كان لمفهومي ( اللامتوقّع والاحتمال ) حصّة في المقاربات الفكريّة التي قام بها الباحث . فأشار إلى أنّ اللامتوقّع هي النقطة التي يتوقّف عند حدودها العلم التقليدي ، كدراسة تقلّبات المناخ فيما يعرف بعلم الأرصاد الجويّة ، وحركة أمواج البحر ، والتذبذب في عمل القلب البشري ، حيث تبدأ نظريّة الفوضى بدراسة الآثار المغايرة في الزمان والمكان والنوعيّة ، والتي تُعجز العلم التقليدي عن التنبّؤ الدقيق ، أو التوصّل إلى قياسات دقيقة وحاسمة بسبب عدم تناسب النتائج مع المعطيات الأولى ، أو ظهور أشياء غير متوقّعة الحدوث ( ينظر ص37 ـــ 45 )

أمّا نظريّة الاحتمال فإنّها تدرس وقوع الحوادث العشوائيّة ، والعشوائيّة هي حدث غير مؤكّد الوقوع ، كما أنّها تهتمّ بتحليل الظّواهر التي تحدث بشكل لا يمكن التنبؤ به ، ومن هنا تقترب نظريّة الاحتمال من نظريّة الفوضى ، من جانب السّلوك العشوائي أو غير المؤكّد لبعض الظّواهر . مثال ذلك لو قلت ( من الممكن أن تمطر اليوم ) فإنّك تتحدّث عن احتماليّة من حيث لا تشعر ، وكذلك بمجرّد أن تقول ( ربّما ) فإنّك تتحدّث عن الاحتماليّة ولكنك غير مدرك إلى أنّها قانون رياضي يلعب دورًا أساسًا في حياتنا اليوميّة ، من خلال تحويل الظواهر الطبيعيّة من حيث كونها ظواهر حتميّة ضمن اشتراطاتها وظروفها في الإطار الكلاسيكي إلى ظواهر ذات طبيعة احتماليّة ، كما يرى عالم الفيزياء الألماني هايزنبرغ واضع أسس مبدأ اللاحتميّة سنة 1926(ص91 )

الفوضى والعدميّة

وبعد الفيزياء والأرصاد الجويّة انتقل المؤلّف إلى عدميّة الألماني فردريك نيتشه ، التي دعا فيها إلى فكرة موت الإله وتدمير كلّ العقائد والقيم ، والتحرّر من كلّ القيود والثوابت ، وضرب كلّ القيم المنبثقة من العقل ، فالعقل الإنساني ـــ من وجهة نظر نيتشه ـــ من أشدّ أعداء الحقيقة وأكثر خطرًا من الأكاذيب ( ص78) وبهذا حوّل نيتشه العالم إلى واقع لا معنى له ، يخضع للصدفة والتشاؤم وإرادة القوّة ، وإرادة التكيّف التي تجعل الناس يتكيّفون مع العدم ويقبلونه ، ممّا يؤدّي بدوره إلى الفوضى والعبث والهدم ، وبعد ذلك يبدأ الخلق الجديد والبناء ( ص79) أي احداث فوضى وخلخلة بما هو قديم ومتهالك لهدمه واعدامه لخلق قيم ومفاهيم جديدة ( ص80). أقول : لم أجد تعليقًا ، على فشل فكرتي نيتشه عن موت الإله والإنسان السوبرمان ، أوضح وأروع من هذه الكلمات : (( لقد أنفق نيتشه ما بقي من حياته يلتمس إلهًا ظنّ أنّه وجده فيما دعاه بالإنسان الأعلى ، وقال أنّه لم يلقى عناء في أن يتّخذ لنفسه ذلك الإله الجديد ، ولكنه كان على الأرجح مخدوعًا أو مخادعًا في ذلك ، أو هو على أقلّ تقدير أخطأ الرواية عن نفسه ، فما أو ولّى عن إلهه الأول حتى ولّت عنه ابتسامة الحياة وبهجتها )) ( دراسات في الفلسفة العلميّة والإنسانيّة ، د. قيس هادي أحمد ص158)

مع التفكيكيّة

ومن المقاربات المهمّة والصعبة التي قام بها المؤلّف هي تأكيده على الارتباط المباشر بين الفوضى الخلّاقة والتفكيكيّة ، وهذه الصعوبة متأتيّة ـــ من وجهة نظر كاتب المقالة ـــ من صعوبة تحديد معنى مفردة التفكيك بدقّة ، وخضوعها هي الأخرى للتفكيك كغيرها من المفاهيم والدّلالات المعجميّة ، بحسب ما صرّح به جاك دريدا في واحد من مؤلفاته . أمّا المؤلّف فقد رأى أن القاسم المشترك بين التفكيكيّة والفوضويّة هي فكرة لا مركزيّة النّظام ، وكذلك فكرة رفض جميع السلطات الخارجيّة التي تمنع ظهور المعاني اللانهائيّة للنصّ ، فالتفكيك تسوده الفوضى من كلّ جانب فلا قوانين ولا سلطة ولا حتى إحالة ( ص84) ومن هنا كان تأكيد التفكيكيّون على فكرة موت المؤلّف (ص88). ومن أطروحاتهم تركيز دريدا على فكرة ( الانتشار / التشتّت ) والتي تعني تناثر المعنى وانتشاره بطريقة يصعب ضبطها وعدم الانغلاق على معنى واحد ، وهو ما ترفضه التفكيكيّة في توجيهها إلى لا نهائيّة الدّلالة ، فالفوضى هنا نجدها في تفجّر المعنى وانتشاره وتشتّته المستمر ، فلا يكتمل المعنى أبدًا ولا يتجمّد ، ويصبح تحديد المعنى صعبًا ، وهذا لا يؤدّي إلّا إلى الفوضى التفكيكيّة ( ص90) فالمعنى هنا يتعدّد وينتشر بتعدّد القرّاء . وتعدّ هذه الفكرة بالذات ( الانتشار / التشتّت ) من أهم الأسباب التي أدّت إلى فشل التفكيك كاستراتيجيّة نقديّة لأنّها تهدم دون أن تبني وتفكّك ولا تركّب ، فهي لم تقدّم إلّا الضياع والفوضى من خلال لا نهائيّة المعنى ( ص90)

أخيرًا

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المقاربات التي قام بها المؤلّف ـــ وإن كنت اختلف معه في بعض طروحاتها ـــ تُعدّ محاولة ذكيّة وجادة في فهم مصطلح الفوضى الخلّاقة ، وهي وإن كانت قد كتبت على طريقة الموسوعات ، إذ شُحنت بمجموعة كبيرة من الأسماء والعناوين والآراء لكنها سوف تدفع كثيرًا من القرّاء إلى وضع قناعاتهم الراسخة وأفكارهم الجاهزة موضع شكّ وريبة ، والشروع ببدايات جديدة

Add Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *