Close
+1(437) 533-3559 info@ishtarhose.ca
تمسّكْ بجناحِ الفَراشة: شعر يحاكي خسارات الوطن والإنسان

تمسّكْ بجناحِ الفَراشة: شعر يحاكي خسارات الوطن والإنسان

تقديم – إيمان البستاني

تمسّك بجناح الفراشة؛ و من يمسك بجناحها يعلم علم اليقين بأنّ لا الفراشة ستنجو ولا ممسكها … وهذا ما أراده الشاعر العراقي (حمدان الطاهر ) حين اختار عنواناً لمجموعته الشعرية الصادرة حديثًا من منشورات لتحاد الأدباء أن يختزل فيها سيرة حياة وطن لم يزهر أبداً كالملح وابتلي طويلاً بحروب عبثية أكلت أبناءه ومن نجا منهم عذبته ذاكرته الكبريتية التي تشتعل يوميًا على مشهد الخسارات

يفتتح الطاهر المجموعة بتوطئة يقول فيها 🙁 لطول ما تحدثت معه، صار الجدار أخًا) يسقي زهور نصوصه على مدى (٥٢) نصاً شعرياً بأحاسيس إنسانية شفافة تدرك في نهايتها استحالة عودة الاشياء إلى صورتها الأولى، إلى ذاك النقاء والبساطة وكأن كل وجه قابلته هو باب عليك أن لا تطرقه أو تنتظر منه شيئًا، كل نبي يريدك له، كل إله يحذرك، لتكتشف أخيرًا أنه ليس بالنار وحدها يحترق الانسان، سنوات كما لو تم قليها في زيت محرّك، مثقلة بانكسارات النفس وإبهاظ يصيب طبل القلب وبهذا يسجل نفسه كشاهد إثبات على حياة أبسط ما يقال عنها إنها سديمة انقضى شبابها بسرعة

تتكرر حالات استذكاره لشخوص يود ان يزج بها في مجموعته الشعرية دليلًا على حضورها التام في وجدانه وذاكرته، الأم الحاضرة بصورتها الفتية ليس أقل منها امرأة في الثلاثين من عمرها في زمن بركات الدرهم وباصات الخشب هكذا يتذكرها وهكذا يريدها هو، وهي التي رحلت عنه مؤخراً لعالم أفضل، ذهبت حافية القدمين إلى الجنة، يشبّهها بسمكة بني وهو أعلى درجات الغزل العراقي وصورة الأب القادم من الحلم لا يأتي إلا ليغادر ينادي على حصانه الذي مات حزناً حين ارتحلوا إلى بغداد

مشهد الجندي له مساحة من العزاء في المجموعة القصصية بهيئة المضحي الأكبر رافعًا يده بالنصر والأخرى في جيبه محتفظًا برسائل حبيبته، كما لأصدقائه مساحات أكبر حاضرين ملء ذاكرته، يعنون لكل صديق نصاً شعرياً؛ حمودي النشمي والشاعر التونسي صاحب كتاب ( حركات الوردة) عبدالفتاح بن حمودة والقاص والمترجم العراقي صاحب كتاب ( الماكنة تتوقف) عبدالصاحب البطيحي، والشاعر طبيب الأطفال ( أفضل فاضل ) وأشهر شعراء قصيدة النثر في العالم العربي ( سركون بولص) والشاعر العراقي المغترب ( صلاح فائق) صاحب قصائد مؤثثة بجمهرة من تماسيح ونمور وسواح آسيويين وقراصنة ثملين في حانات مدن مستحيلة

حمدان الطاهر، الشاعر الخجول الذي شبع من الفرجة على حفلة الوطن القاصفة يقول عن نفسه أنا صبي المعدان يأكل أصابعه حين ينفذ كل شيء وينتظر سمكة تخرج من رأسه لكي يطعم عائلته وهو ابن بار لقرية ونهر وثغاء غنم وجار طيب لنساء يقضين ليلتهن بالأنين حول المواقد، وهو لا يعرف كيف يقرأ في المهرجانات وليس له خبرة تذكر في مغازلة النساء ويحب الشعراء ويستثني منهم من باع قلبه للشيطان وليس له خبرة الحديث مع النقاد الذين يعملون بعد الدوام الرسمي مثل شرطة آداب، لكنه يعرف جيدًا كيف يتغزل بكحلائه ونهرها، يتكرر عنده ذكر مدينته الميسانية حيث الحياة بسيطة ومتواضعة غرفة صغيرة ليس فيها إلا اقداح الشاي وصورة الأخ البعيد والغرفة مجرد كوخ على نهر

الطاهر سئِم زيف الحاضر في بلد الجميع مسلّحون حتى أسنانهم و سئِم رجالات الدين لهم موهبة مشعوذ في التملص وهم يستخدمون كل مدفعية خطبهم كأنها طنين ذباب خطب تعد مثل الأكلات السريعة، يعزف عن كل ما مر من حياته من مسلسل فواجع، لا يطمع في كل ما مر في حياته ويعلنها صراحةً في مجموعته بأنه سيكتفي بقمر وحيد وامرأة وحيدة ولا بأس من بحيرة تحلق فوقها طيور ويخاف جداً من أن الغد سيكون كالأمس

Add Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *