Close
+1(437) 533-3559 info@ishtarhose.ca
“بيت الهايكو التونسي” مشروع ثقافي يجمع الشعر بالفنون

“بيت الهايكو التونسي” مشروع ثقافي يجمع الشعر بالفنون

الهايكو شعر ياباني صعب قد لا ينجح في أن يصبح عربيا.

يمكن مقارنة قصيدة الهايكو بالتصوير الزيتي؛ فهي القصيدة التي وجد فيها الشعراء اليابانيون وهم يمارسون تأليفها طوال أكثر من خمسة قرون أداة مناسبة لإنتاج معادل معبر عن تجاربهم. إنها أكثر أشكال الشعر التي بلورتها المواهب اليابانية تركيزا، ورغم ارتباطها بالثقافة اليابانية فإننا بتنا نشهد اليوم كتابة الهايكو وتنظيم مؤسسات لها في عدة دول حتى عربية، وآخرها تونس التي أنشأت مؤسسة “بيت الهايكو”.

تونس – ينطلق “بيت الهايكو التونسي” رسميا في أنشطته مع مفتتح شهر سبتمبر القادم، بعد أن عرف بعض الصعوبات خاصّة على مستوى التمويل وإيجاد مقرّ إداري لهذه المؤسسة.

و”بيت الهايكو التونسي” هو مشروع ثقافي جديد يُضاف إلى الساحة الفنية التونسية، تم الشروع في إحداثه خلال شهر نوفمبر من السنة الماضية بدار الثقافة ابن رشيق في العاصمة على يد كل من سنية بن عمار (شاعرة) ومحمد علي العبدلي (مسرحي). وانضم إليهما عدد من الفنانين على غرار المسرحي نزار الكشو والشاعرات سعاد حجري وألفة إسماعيل وألفة كشك بوحديدة وفائزة وشتاتي وآمال العذيبي.

مؤسسة شعرية

بعد سنة مرت على إحداث “بيت الهايكو التونسي” اجتمع أخيرا حول هذا المشروع العديد من المثقفين والشعراء والنقاد والمهتمين بالشأن الأدبي والثقافي عموما والمؤمنين بهذا المشروع الشعري الذي ينهل من شعر الهايكو.

وقد تم في شهر ديسمبر الماضي افتتاح “بيت الهايكو التونسي” في ثوبه الجديد، بالشراكة مع دار الثقافة ابن رشيق في تونس العاصمة وشركة “Africa Accelerator” والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بتونس.

وتابع الجمهور خلال الافتتاح عرضا فنيا بعنوان “Haï scéne” عن نص للهايسكيت سنية بن عمار وموسيقى عادل بوعلاق وأداء abin alexander وإخراج نزار الكشو، بالإضافة إلى معرض للصور الفوتوغرافية وآخر في فن الرسم.

يقول محمد علي العبدلي في تصريح له إن تسمية “بيت الهايكو التونسي” مستمدة من الثقافة اليابانية، مبينا أن أدب الهايكو هو صنف من أصناف الشعر الياباني، وازدهر هذا الأدب في القرن الـ17 بفضل الشاعر المعلّم ماتسو باتشو، ومن أهم رواده يوسا بوسون وكوباياشي ايسا.

ويتميز الهايكو، وفق العبدلي، بكونه عبارة عن بيت شعر واحد، مكون من 17 مقطعا صوتياً باليابانية، ويكتب عادة في ثلاثة أسطر وأحياناً يتجاوز ذلك إلى خمسة أسطر.

ويحاول الهايكست (وهي تسمية تطلق على شاعر الهايكو) من خلال مفردات قليلة التعبير عن مشاعر جياشة وأحاسيس عميقة تحقق عنصر المفاجأة للمتلقي.

وبخصوص مشروع “بيت الهايكو التونسي” ذكر العبدلي أن شعر الهايكو يُعدّ التقاطة للحظة آنية تستوجب تيقظ الحواس الخمس وتفاعلها مع عناصر الطبيعة الخمسة: الماء والهواء والتراب والنار والأثير.

وأضاف أن “بيت الهايكو التونسي” لم يكتف بهذا القالب الشعري الجديد والمختلف عن المعهود منذ القدم، بل مزج بين شعر الهايكو وفنون أخرى كالكوريغراف وخيال الظل والموسيقى والرسم والمسرح وغيرها من الفنون التي تتقاطع معه في الإيجاز والبساطة والتكثيف، في تناسق بديع بين الكلمة والصورة والنوتة الموسيقية، “يتلذذ معها السامع بما يسمع وبما يرى حد الانتشاء، وينتقل عبرها إلى عوالم السحر والجمال”.

وبخصوص الأنشطة التي سيعمل “بيت الهايكو التونسي” على إرسائها قال العبدلي إن الانطلاقة ستكون بتنظيم ورشات تدريبية للعموم لمدة ستة أشهر في تقنيات كتابة الهايكو تتضمن فن الإلقاء والأصوات الحرة واليوغا. وستتوج هذه الورشات بعرض فني في الهايكو مع منح شهادات تخصّص في هذا الاختصاص الفني.

الهايكو ياباني

يشهد شعر الهايكو الياباني انتشارا هاما في العديد من الأقطار العربية حيث يستميل الكثير من الأقلام التي ترى فيه وسيلة تجديد وتجاوز للأشكال النمطية للشعر المكتوب بالعربية. وهي نظرة يرى الكثير من النقاد أنها قاصرة؛ ذلك أن الهايكو ليس مجرد تجديد في الشكل، وهو مرتبط أساسا بالثقافة اليابانية، وربما يستلهم منه الكثير من الشعراء غير اليابانيين، حيث نجد كثيرين كتبوه مثل جاك كيرواك وغيره.

لكن يبقى هذا النمط الشعري ابن الثقافة اليابانية على خصوصيتها وابن لغتها ومخيالها وبيئتها. ورغم تأكيد الكثير من النقاد على النجاح الجزئي لعدة تجارب في هذا الشعر مما كتبه غير اليابانيين فإنهم لا يخفون ارتباط هذه القصائد بالبيئة اليابانية وخصوصيتها الكبيرة التي تتجاوز التقطيع الصوتي والشكلي في أسطر ثلاثة إلى طريقة تأمل من خلالها يلتقط الشاعر لحظات شفافة بروح عالية.

قد يتشارك الشعراء في مختلف القارات الشفافية والإحساس العالي، لكن ليس بنفس النظام الصارم الذي يفرضه فن الهايكو.

الأشكال الشعرية التي تشبه الهايكو -ولو شكليا- كثيرة، نذكر منها في الثقافة الإنجليزية السوناتة وفي العربية الومضة أو قصيدة البيت الواحد. ورغم اشتراك هذه القصائد في بعض الخصوصيات الشكلية إلا أنها لا تشترك في الثقافة نفسها ولا تنطلق من المنطلقات نفسها، وكل منها مستقلة عن الأخرى؛ فالهايكو مثلا دربة مستمرة لالتقاط لحظة تلاقٍ طبيعية شفافة وساحرة، يظل الشاعر يجرب ويكتب فيما لا يتجاوز نتاج شاعر الهايكو الجيد الثلاث قصائد الهامة طيلة تجربته رغم كتابته مئات النصوص.

إن قصر حجم قصيدة الهايكو أغرى الكثيرين بكتابتها معتقدين أن ما يكتبونه حكمة أو التقاط من الطبيعة أو لحظة شفافة هاربة، فيما يغفل هؤلاء جوهر الهايكو ألا وهو التأمل والأخلاق اليابانية.

“زقاق الجمجم”.. رواية عراقية بطلها مكان هش

رواية “زقاق الجمجم” تقدم رؤية تنطق بالتألّم للواقع الذي انتهى إليه الناس بسبب الحروب التي أنهكتهم واستنزفت قواهم.

عمان- يسترجع الكاتب العراقي بيات مرعي في روايته “زقاق الجمجم” أحداثا تدور في إحدى البيئات الشعبية التي تتسم بواقعية شخصياتها وبعلاقاتها الإنسانية الدافئة.

وتستحضر الرواية ما شهدته حياة الناس في العراق منذ مطلع الألفية الثالثة وما بعد الغزو الأميركي من معاناة على كافة الأصعدة، من خلال مشاهدات البطل الذي قدم إلى مدينة البصرة، فعاد به شعوره بالغربة إلى ذكرياته في “زقاق الجمجم”، الحي الذي شهد ولادته وطفولته، فأخذ ينقل ما عايشه من تفاعل وعلاقات أليفة بين أهل الحي، الأمر الذي جعل الرواية مليئة بالحكايات الفرعية التي تجسد هموم الناس هناك وخلجاتهم، ويختلط فيها العام بالخاص تاركا أثره على أحلام الناس في الزقاق وآمالهم.

ويصف بطل الرواية تفاصيل المكان قائلا “زقاق ضيق مبلط بالحجارة، تنبعث منه روائح مختلفة كأن أحدا يحرق دهن العود وعرف الصندل لتهب رائحة على جناح طائر تجعل الروح تنتشي، ربما كان ذلك لكثرة ما تتعطر نساء الزقاق بشتى أنواع العطور، كنت أحب الخروج من الدار لأعرف ماذا يحدث”.

وتتناثر على صفحات الرواية أحاديث الحرب وتداعياتها القاسية على الشخصيات التي يصورها البطل في أحد المشاهد قائلا “عدد من سيارات الإسعاف كان يمر مسرعا في تلك الشوارع، تتقاطع وجهاتها، كنت خائفا لأن المشاهد التي تخيلتها أو التي أشاهدها لم تعد تستر عيوب الحرب القبيحة التي دست أصابعنا في مواقدها رغما عنا ولا يستطيع أي عقل أن يتقبلها باستثناء عقول المجانين أو الذين دججت عقولهم بأفكار الانتصارات والحروب والقتال، والمتعطشين إلى سفك الدماء”.

وتظهر المرأة في الرواية بوصفها جزءا أساسيا من نسيج المكان الشعبي الذي تقع فيه الأحداث، ونقل البطل تفاصيل دقيقة للهموم التي تشغل النساء في الحي وطبيعة الأحاديث التي كانت تجري بينهن؛ يقول “نساء الزقاق يجهلن حساب الوقت بالساعات، فيحسبن معظم أوقاتهن باستدارة الشمس اليومية المتكئة على أسطح بيوتهن، وتحولات الظل التي ترافق هذه الاستدارة اليومية”.

وأضاءت الأحداث داخل الرواية، الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون”، دور المرأة وموقفها خلال الحرب وبعدها، لاسيما ذاك النموذج الذي فقد الزوج أو المعيل، فكانت إحداهن ضحية الحرب، لكنها صمدت أمام ما اعترضها من صعوبات وحافظت على نفسها في وجه المغريات.

وقدمت الرواية رؤية تنطق بالتألّم للواقع الذي انتهى إليه الناس بسبب الحروب التي أنهكتهم واستنزفت قواهم، فقد “ساد الاعتقاد عند أغلب الناس أن اللعنة هنا. أسطورة الموت لا تنتهي، ليبقى بلد الحضارات يصارع الحياة في غرفة العناية المركزة. مضى أكثر من عام على وجود بقايا متفرقة وقليلة من قوات العدو تاركين تراكما من خيوط مقطعة، ليس من السهل ربطها أو إعادتها إلى وضعها السابق، فهذا النسيج المرتبك الذي جاء به المحتل عمدا طمس معالم الحياة وثوابتها ليكون البلد حلبة صراع بدأ ولا تعرف له نهاية”.

ويمكننا اعتبار رواية “زقاق الجمجم” رواية مكان بامتياز. وحول أهمية المكان يشير الناقد الفرنسي غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان” إلى أنه من الواضح تماما أن البيت كيان مميز لدراسة ظاهراتية لقيم ألفة المكان من الداخل، بشرط أن ندرسه كوحدة، وأن نسعى لدمج كل قيمه الخاصة في قيمة واحدة أساسية، وذلك لأن البيت يمدنا بصور متفرقة وفي الوقت ذاته يمنحنا مجموعة متكاملة من الصور.

لهذا يرى أن الإحساس بالهناءة يعود إلى بدائية المأوى. ومن الناحية الجسدية فإن الكائن الذي يمتلك المأوى يتكور، ويتستر، ويختفي، ويرقد، ويتلذذ، وهو غائب عن الأنظار.

ولكن المأوى ليس مكانا وهميا بقدر ما هو مكان للراحة والسكينة والإحساس بالوجود والحياة، والإنسان في ظل الظروف الصعبة يصبح المأوى لديه مكانه المفضل.

وهذا ما ينطبق تماما على الراوي الذي يعود إلى الزقاق وبيوته في الماضي هربا من جحيم الحاضر والدمار الذي لا يصيب المكان فحسب بل يطال الناس أيضا.

وشهدت الرواية العراقية قفزة غير مسبوقة، لا من حيث المستوى الفني فحسب بل حتى من حيث الكم الكبير من الروايات التي يصدرها العراق وكتّابه. وعلى اختلاف قيمتها الفنية فإن الروايات العراقية تكاد تتشابه خاصة من حيث تأثرها بما طرأ على العراق ما بعد الاحتلال (2003) ومن حيث علاقتها بالواقع الذي تشوبه الفوضى، وبالأخصّ من حيث بطولة المكان الذي بات هو الحاضر الأبرز على غرار ما نجده في هذه الرواية.

ويرى الناقد العراقي قيس كاظم الجنابي أن “الروايات العراقية ما بعد الاحتلال الأميركي عبرت عن هشاشة المأوى وهشاشة الواقع بطرق مختلفة، سواء كان سجنا أو بيتا أو وسيلة نقل، كما كشفت عن تأثير هذه الهشاشة على واقع المجتمع العراقي وتفكك عراه عبر الحروب الطائفية وغياب الدولة وسيادة الجماعات المختلفة”، وهو ما يبدو ماثلا في رواية بيات مرعي.

Add Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *