Close
+1(437) 533-3559 info@ishtarhose.ca
السحر عند الفراعنة صور وكلمات وحروف وكتابة

السحر عند الفراعنة صور وكلمات وحروف وكتابة

محمد الحمامصي

ينطلق الباحث محمد أبورحمة في كتابه “السحر عند الفراعنة” مما جرى للورد كارنر فون الذي موّل بعثة هاورد كارتر التي اكتشفت مقبرة الملك المصري “توت عنخ آمون”، حيث أصابته عقب إعلانه الاكتشاف لعنة تعويذة مصرية قديمة مكتوبة في المقبرة تقول “كل من ينتهك هذه المقبرة سأنقض عليه كما ينقض الطائر على فريسته”، فمات، وفي نفس الليلة وعلى بعد آلاف الأميال، لاقت زوجته نفس مصيره، حين لدغتها بعوضة

أما سكرتيره الخاص ريتشارد بيتيل فقد عثر عليه ميتاً في حمّام أحد الأندية، وفي اللحظة التي كان فيها دوغلاس ريد قد انتهى من صنع صورة بالأشعة لمومياء “توت عنخ أمون”، كان قد فارق الحياة، وكذلك توفي آرثر ماك أثناء قيامه بتسجيل محتويات مقبرة ملك مصر، ومات أيضا جورج بينيديه بعد زيارته للمقبرة، وكذلك آرثر س. ميس الذي أصابه مرض لم يبرأ منه حتى قضى عليه، وكذلك أصيب جاي غولد بالتهاب قتله

ويروي أبو رحمة جانباً مِمّا ورد في كتب الرحالة والمؤرخين العرب حول السحر عند الفراعنة، فيقول “ولنا أن نتخيل هذا المشهد العجيب الذي يرويه ابن إياس عن مدينة “أمسوس العجيبة “وعمل على جوانب هذه المدينة أصناماً من نحاس أصفر وهي مجوّفة، وملأها كبريتاً، وكّل بها روحانية النار، فكانت إذا قصدهم عدو أرسلت تلك الأصنام من أفواهها ناراً أحرقته من وقته”

ويرى أبو رحمة في كتابه الصادر عن دار سنابل أنّ المصريين القدامى أتوا بأعمال علمية خارقة، مازلنا نراها في ربوع أرضنا ونعجب لها ولهم، ولكنهم لم يقولوا لنا أنهم صنعوا هذه المعجزات من خلال السحر، لأنهم صنعوها على أسس علمية صحيحة ومتينة، وصبروا وثابروا على تشييدها بالجهد الخارق

أما السحر في مصر القديمة فلم يكن سوى قوة خارقة يستطيع من يمتلكها الإتيان بأعمال يعجز عقل الإنسان العادي عن إدراك سرها، وتلك القوى الخارقة “حكا” أو “حقا” أو الحق هي التي استخدمها الإله الخالق في صنع العالم وكائناته المختلفة. إنها قوى خارقة عرف سرها الكهنة المصريون، واقتصر علمها عليهم، أما السحر بمعناه الدارج في عصرنا هذا، أو الذي نعرفه بمسمى “السحر الأسود” فكان ممنوعاً يحرّمه القانون المصري القديم ويجرّمه، بل إنه كان يحكم على مَنْ يمارسه بالإعدام

ومن جهة أخرى فإننا نقع في خطأ كبيرعندما نضع بعض الطقوس والنصوص المصريّة القديمة تحت عنوان “طقوس ونصوص سحرية”، لأننا وغيرنا مازلنا نمارس طقوساً ونقرأ نصوصاً للحماية ودرءً للمخاطر، دون أن نسمّي ذلك سحراً

ويضيف “مثال ذلك نجده في الأدبيات المصرية القديمة، ففي أسطورة “سي أوزير” نجد أحد أبطال هذه الأسطورة يقرأ بعض النصوص الدينية لكي يهدِّئ من روع نفسه بعدما رأى أحداثاً لم يستطع تصديقها، إلا أن الأدب المصري القديم سجّل نتفاً من خوارق أسطورية شاعت في مصر منها مثلاً ما جاء في قصة “أوبا أونر”، حيث قام الكاهن بفلق بحيرة ثم وضع نصف مائها على النصف الآخر، ثمّ أعاد مياه البحيرة إلى وضعها الأصلي مرة أخرى. ونقرأ في قصة الأخوين أيضاً أن الله فرّق بين الأخ الذي شاء الهروب من وجه أخيه بأن صنع بينهما ماء”

ويؤكد أبو رحمة أنّ كتابه لا يبغي سوى إيضاح بعض الأمور المتعلقة بالحضارة المصرية القديمة، بعدما شابها كثير من اللغط وسوء الفهم، مقصوداً أو عن غير عمد، سعياً إلى وضع تصوّر صادق يقترب من الحقيقة. ويشير إلى أنّ المصريين اعتقدوا في وجود قوة غامضة ـ غير طبيعية ـ لها قدرة عظيمة على الإتيان بالأفعال الخارقة، أطلق عليها اسم “حكا”

وكانت هذه القوة الغامضة تتمتع بمكانة سامية مع أعظم الأرباب، بل إنّ الإيمان بهذه القوة كان سابقاً على الإيمان بالأرباب، ففي المراحل الأولى لتطوّر الأديان، لمّا كانت الأرباب مازالت مجهولة للبشر، ولم تكن قد اتّخذت هيئاتها واكتسبت صفاتها التي عرفت بها وقدست بها، ظهر الإيمان بالقوة الخارقة. أما المجتمع المصري، فلم يكن يمتلك كتاباً مقدّساً واحداً يحوي مفهوم الدين، بل إنّ اللغة المصرية لم تشمل كلمة معينة تعني “الدين” في حد ذاته، وكانت هذه القوة السحرية “حكا” هي أقرب كلمات هذه اللغة إلى مفهوم الدين، وبعد أن ظهرت النظريات الدينية واحتلت الأرباب مكانتها، نشب صراع بين بعضها وبين “حكا” حول أسبقية الوجود أو الأزلية”

ويتابع أبورحمة “في أحد النصوص المصرية القديمة نجد “حكا” يحتجّ مدافعاً عن مكانته فيقول “إلى هذا الذي أحيا التاسوع الإلهي، إني هذا الذي يفعل ما يشاء، أبوالأرباب، كل شيء ملك لي، قبل أن تنشئوا أنتم أيها الأرباب التي جاءت من بعدي، إنّي أنا السحر”. أمّا طرف الصراع الآخر فكان واحداً من أقدم الأرباب، هو “شو” الذي كان أول ما خلقه الإله الأعلى، نراه ينازع “حكا” مكانته وأزليته، فيصيح معلناً “إني لا أطيع “حكا” فقد نشأت قبله. ويبدو أنّ “حكا” كان رباً عظيماً تحديداً في المراحل المبكرة من تاريخ الدين المصري، إلا أنّ مكانته أخذت في التقلّص فيما بعد. وفي منف ـ إحدى عواصم مصر ـ ظهر “حكا” كابن لرب “منف” العظيم “بتاح”، كما يظهر في “إسنا” كابن بكر للرب “خنوم”

ويلفت إلى أن “حكا” المقدس هو نفسه القوة السحرية بمعناها المجرد، إنها هي تلك القوة الغامضة التي منحت الأرباب قدرتها على الإتيان بأعمال خارقة، تقع خارج نطاق القدرة البشرية، وبالرغم من ذلك لم يكن “حكا” هو القوة السحرية الوحيدة التي عرفها المصري القديم، فقد تعدّدت هذه القوى وتنوعت تنوّعاً شديداً”

وينقل أبو رحمة عن ديمتري ميكس وكريستين ميكس في كتابهما الحياة اليومية للألهة الفرعونية “يوصف “حكا” للأسف في العادة أنه تجسيد للسحر، ولكنه يمثّل قبل كل شيء الطاقة الحيوية، أنه “الكا” خلال فعاليتها وبذلك يمنح كل رب القدرة التي يستطيع من خلالها التصرف ببديهته. أي استخدام الـ”سيا” التي تعبر عن المعرفة البديهية

وبما أنّ البشر يمتلكون هذه الطاقة الحيوية التي تمكّنهم من البقاء، فهم بالتالي يستطيعون الاستعانة بالـ”حكا”، ولذا فإنّ الـ”حكا” تسمح للبشر أن يقيموا حواراً مع العالم الرباني، أو ربما يستطيعون أيضاً التأثير عليه ما دام هو أيضاً يعيش على نفس هذه الطاقة الحيوية، التي يستعان بها في بعض المجالات الدينية والشعائرية المختلفة، تلك التي تمارس عادة في المعابد، وهنا تعتبر تقريباً شيئاً شبيهاً بالسحر”

ويرصد جانباً من العناصر الحيوية التي اعتقد فيها المصري القديم، مثل “الكا” وهي مصدر القوة والحيوية وهي قوة إلهية لابد منها لاستمرار الحياة، ومن النقوش الشهيرة على جدران المعابد صورة الإله “خنوم” وهو يقوم بتشكيل طفل و”كا” خاصة به في ذات الوقت. وأيضا “الآخ” وهو شكل مجرد للروح، صوّر في اللغة الهيروغليفية على هيئة طائر، وهو كيان غير قابل للفناء فهو ليس عنصرا أرضيا قابلا للفناء كالجسد بل عنصر سماوي كما ذكر في أحد النصوص “كما أن الجسد خاص بالأرض، كذلك الآخ خاص بالسماء”

أما الـ عنصر “البا” فيمثل قوة حرة غير مقيدة بإطار الجسد، وقد عرّفت اللغة المصرية “الباو” ـ جمع با”، بأنها القوة أو السيطرة، وكانت النصوص السحرية تسمّيها أحياناً “باو رع” أي قوة الرب “رع”، وكما لو كان رع يمتلك أربع عشرة “كا” فإنه يتملك سبع “با”، وقد صوّر المصريون “البا” على هيئة طائر، ثم أضافوا له فيما بعد رأساً ويدين آدميتين، كما أضافوا له أيضا لحية للتدليل على الأصل الإلهي “للبا”. أما “الظل” فيكون مع “الكا” و”البا” و”الآخ” و”الاسم” جوهر الإنسان، ويظهر ظل الميت في كتاب الموتى ونقوش المقابر على شكل خيال أو شبح أسود

ويرى أبو رحمة أنّ معرفة اسم الشخص كان ضرورة لازمة للأعمال السحرية، وعنصراً هاماً في صياغة التعاويذ السحرية، فكان لابدّ من ذكر اسم الكائن أو الإنسان بهدف الإيذاء أو لمساعدته أو لطلب المساعدة منه. أيضاً كانت الللغة سواء مكتوبة أو منطوقة من أهم الوسائل التي استخدمت في عمليات السحر، فعلامات اللغة المصرية القديمة كانت عبارة عن صور، كان لبعضها هيئة الكائنات الحية، مثل النسر أو الأسد أو البومة أو الثعبان أو وجه الإنسان أو ذراعه أو قدمه، وكانت هذه العلامات ـ الصور تحتوي على قوى سحرية كما كانت تحمل في ذاتها أيضاً وجوداً سحرياً. وكان للكتابة أيضاً قوة تأثير غامضة، فكان المصري يعتقد أن تلك العلامات ـ المذكورة آنفاً على سبيل المثال ـ تستطيع أن تتحوّل إلى كائنات حية حقيقية تدب وتسعى

ويوضّح أنه لما كانت هذه الكلمات أو الحروف تتضمّنها نصوص كتبت على جدران المقابر، خشي المصري أنْ تصير مصدراً للخطر على المتوفي الذي تفانوا في حمايته، وهكذا كان يجب تحييد هذه الأشكال الهجائية، أي جعلها غير ضارّة، وذلك بكتابتها مقطوعة الأوصال. ويظهر هذا الشكل الطريف لسحر الكتابة، أي تشويه العلامات، في نصوص الأهرامات ـ إبّان عصر الدولة القديمة ـ وكذلك نصوص التوابيت في عصر الدولة الوسطى، فنرى الكلمة المصرية التي تعني ثعباناً ـ مثلا ـ قد تم نقشها على جزئين

ويضيف أبورحمة أن الكهنة المصريين كانوا يدرسون السحر في المعابد ويأخذونه عن الكتب المودعة بمكتبة تلك المعابد والتي كانت تسمى بيوت الحياة، وكان لا يؤذن للسحرة بإدخال تلميذ في مدارسهم إلا بعد تمرين طويل على قواعدهم لتطهير النفس ومقاومة الشهوات والامتناع عن الأطعمة وعن ملاذّها وعن كل ذي روح حتى تصفو مداركهم بهذه الرياضة الغذائية

كما كانوا يحتاطون في قهر النفس عن شهواتها باعتزال العالم في خلوات خُصّصت لهذا الغرض، وبعد التيقّن من بلوغ الدرجة الكافية من التهذيب والخضوع النفسي واجتياز كل العقبات، كان لا يسمح لهؤلاء التلاميذ بنشر علومهم وإظهار آياتها إلا بعد تمرين طويل بين أيدي أساتذتهم حتى يحصلوا على إجازة ممارسة هذا الفن

وقد بلغ من إعظام الملك لهذه الطبقة من السحرة أن كان يلقّب نفسه برئيسهم، وكان الدارس لا يتم علومه في تلك الجامعات ويحرز شهادة النبوغ والتفوق ولا يحوز لقب “شرحب” الذي يمنح لمن أتم الاطّلاع على الكتب الربانية، إلا إذا اختبر أمام الفرعون نفسه وأقرّ له بالكفاءة على شرط أن يكون من أبناء الملوك أو الأمراء

أمّا الطبقة الثانية من السحرة فكانوا ينتمون إلى الطبقات الشعبية الدنية، وكانت مهامهم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحياة، فكان هؤلاء يمارسون طقوسهم السحرية لحماية أفراد المجتمع ضد الحيوانات والكائنات الخطرة، وكان لابدّ لهم من الحصول على تصريح من الحكومة لممارسة فنونهم السحرية، وكان جزاء من يخالف ذلك هو العقاب الشديد، أما هؤلاء الذين يمارسون السحر الأسود فكانوا يتعرّضون لعقوبة الإعدام

ويضع أبو رحمة ملحقاً لأرباب السحر معرفاً بهم، ومنهم: إيزيس، أنوبيس، بس، اكر، تحوت، جب، حتحور، حقات، ست، نخبت، سيا، سرقت، ماعت، مين

Add Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *