Close
+1(437) 533-3559 info@ishtarhose.ca
الروائية المصرية رباب كساب: جيل الألفية الثالثة إضافة مهمة إلى الأدب

الروائية المصرية رباب كساب: جيل الألفية الثالثة إضافة مهمة إلى الأدب

كتابة الرواية تكسبك عقلاً منظماً

محمد الحمامصي – كاتب مصري

قدم الكثيرون من الكُتّاب إلى الكتابة من مجالات بعيدة عن الأدب، وخاصة العلوم وإن كان الأطباء هم الأكثر شهرة في هذا الانتقال، لكن هناك مجالات أخرى قدّمت مبدعين مميزين مثل الهندسة والزراعة وغيرها. في حديث حول الأدب وهذه النقلة من عالم إلى آخر كان لـ”العرب” هذا الحوار مع الروائية المصرية رباب كساب المتحصلة على الدكتوراه في العلوم الزراعية

تنشغل أعمال الروائية رباب كساب بقضايا الواقع الاجتماعي في مختلف مستوياتها من اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية، سعياً لإضاءة تشكيلات حيوات الإنسان وطموحاته وأحلامه وما يواجهه في سبيل ذلك من تحديات، وتتميز معالجتها برؤية متميزة في قدرتها على الإمساك بخصوصية الأحداث والشخصيات والأسلوب، وذلك انطلاقاً من روايتها الأولى “قفص اسمه أنا” ثم “مسرودة”، و”الفصول الثلاثة”، و”فستان فرح”

وتشكل روايتها الأخيرة “على جبل يشكر”، الصادرة أخيراً عن دار النسيم، نقلة في تجربتها حيث تمزج فيها الخيال بالتاريخ وكذلك الواقع المعاش، من خلال تناول العربي الذي جاء إلى مصر وسكن أعلى الربوة فسُمّي الجبل باسمه، كما تتحدث عن مسجد أحمد بن طولون وبيت الكريتيلية، والشوارع وتاريخها وأساطيرها، الأرواح الحائرة والقلوب القلقة، عن المحبَّة والخذلان

الكاتب ابن بيئته

تذكر الكاتبة أنها حين وصلت إلى المرحلة الإعدادية باتت تلتفت إلى كتب أبيها القديمة والمهملة منذ زمن، فأنهتها وأعادت قراءة بعضها لشح الكتب في مدينتها، وفي تلك المرحلة ظهرت بداية الرغبة عندها في الكتابة

تقول “لم يكن هناك شكل إبداعي واضح، ولكني شعرت بمحبة فعل الكتابة ذاته، حتى إذا جاء لا أقاومه بل أفرح به، وذات مرة اضطرتني الظروف لأكتب قصة أثناء اختبار الشهادة الإعدادية، فكتبتها وحينها عرفت ما هو الشكل الذي يستهويني في الكتابة. ثم جاء مشروع مكتبة الأسرة ليوفر لمدينتي ما تفتقر إليه من كتب، ذلك أن كتب المشروع كانت تطرح لدى باعة الصحف في فترة الصيف، وباتت أمي تشتري لي وهي في طريقها للعمل كل ما تجده عند الباعة، وكان ذلك النواة الأولى لمكتبتي وبداية تحديد ذائقتي وما أريد قراءته وما أحبه”

وتؤكد أنه كانت لها محاولات في القصة القصيرة قبل الرواية “ولكن لم تكن بالمعنى المفهوم أو المعروف للقصة القصيرة، كانت نصوصاً طويلة يغلب عليها الحكي، لذا يمكن اعتبار هذه المحاولات مقدمة لابد منها لأبدأ. كتبت أول رواية طويلة بعد تخرجي من الجامعة مباشرة، وهي رواية لم أنشرها طبعاً، لكنني ارتحت لهذا الشكل الإبداعي، شعرت أنني وجدت ضالتي فيه، ثم كتبت ‘قفص اسمه أنا’ وتوالت الروايات، كتبت القصة القصيرة في وقت متأخر على عكس كثيرين الذي بدؤوا بقصص قصيرة ثم تحولوا للرواية، بدأت حكّاءة ولازلتُ مخلصة للحكي، وإن كنت مدركة تماماً لأن الحالة هي التي تحدد شكل الكتابة إن كان قصة أم رواية”

وتشير كساب إلى أن قضايا رواياتها تشكل قضايا المجتمع المصري، وتقول “الكاتب ابن بيئته شكلاً وموضوعاً، أتأثر بكل ما يحيط بي، جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع يقع عليّ ما يقع على أهله، إلا أنني أعتبر نفسي أكثر حساسية لما يحدث لهذا أتمكن من التعبير عنه في شكل أدبي”

وتضيف الكاتبة “المرأة من وجهة نظري مثلاً هي المؤشر الحقيقي للمجتمع ككل فوضع المرأة في المجتمع، يعطيك دليلاً على حال هذا المجتمع اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، ومشكلات المرأة هي التي تعنيني، فأنا تكلمت عن أنانية الطموح ومواجهة الواقع المادي والتضحية بالعاطفة والحب كما في ‘قفص اسمه أنا’، عن التسرب من التعليم، عن الختان، عن طموحها في المجتمع وتقبل الآخر لها كما في ‘مسرودة’، عن المرأة المعيلة، المطلقة، العانس، تكلمت عن الأوضاع الاقتصادية، عن الفتن الطائفية، عن مشاكل الزواج كما في ‘فستان فرح’، عن الباحثين عن الربيع في حياتهم كما حدث في ‘الفصول الثلاثة’. الكثير من المشكلات التي تهم مجتمعنا تجد أبطالي يتعرضون لها ويقعون تحت طائلتها”

وحول اتجاهها في روايتها الأخيرة “على جبل يشكر” للتاريخ وتطويعه ليشكل قناعا للواقع، تلفت كساب إلى أن “رواية ‘على جبل يشكر’ حالة هروب فعلية لا أنكر، لم أكن بحاجة للإسقاط بل كنت بحاجة للهرب في فترة ما من الواقع حتى أستطيع تحقيق التوازن الفعلي لروحي أنا قبل أيّ أحد، كما أنها كانت رغبة قديمة في الكتابة عن مكان وقعت في شرك سحره قبل أعوام طويلة، ووددت حقاً الكتابة عنه منذ اللحظة الأولى لزيارته، لكنها لم تتحقق إلا في ظروف معينة أهّلت لي فكرة استخدام التاريخ كمادة للكتابة عن المكان، وللهرب في ذات الوقت لعالم فنتازي أكثر منه تاريخي، الأسطورة لعبت دوراً مهماً في هذا العمل الذي ارتبط تاريخه بالأساطير خاصة، لذا فلم يكن هناك إسقاط أو دلالات أخرى، لقد قررت أن أكتب فقط عن مكان أحبه بشكل كتابي لم أجربه قبلاً”

جيل النقلة الكبرى

بين رواية كساب “فستان فرح” 2012 وروايتها الأخيرة “على جبل يشكر” 2021 أكثر من تسع سنوات، أصدرت خلالها مجموعة قصصية “بيضاء عاجية وسوداء أبنوسية” 2018، حول هذه الفترة تؤكد أنها لم تتوقف؛ بعد نشر “فستان فرح” في منتصف عام 2012 كان عليها الانتهاء من الدكتوراه في نفس العام فقد ناقشتها في أكتوبر 2012 ثم ركنت إلى فترة راحة طويلة، حاولت فيها كتابة بعض الموضوعات لكنها لم تستمر وهذا عادي بالنسبة لها كما ترى

شرعت في كتابة “على جبل يشكر” في 2014 وأنهتها في 2016 تأخرت فقط في نشرها ليس إلا، إذ تعترف أنها بطيئة السعي لكنها تسير

أما المجموعة القصصية “بيضاء عاجية وسوداء أبنوسية”، التي صدرت في 2018 فهي قصص عشر سنين متواصلة كانت نصوصاً قد نشرت في الكثير من المطبوعات الأدبية داخل مصر وخارجها على مدار عشر سنوات، قامت بجمعها في هذا الكتاب الذي ضم 24 نصاً، وصدرت في عام2018 وسمتها باسم آخر نص انضمّ إليها

وتقول “لست أكاديمية، لكن حصلت على الدرجات العلمية من ماجستير ودكتوراه من الخارج أي أنني لم أعمل في الجامعة، رغم عدم اقتناعي بالدراسة في تلك الكلية بداية، إلا أنني بعد فترة وجدتها الأقرب لشخصيتي، وأن القدر اختار لي الأكثر مناسبة لطبعي، فأنا شخص يكره الفراغ وهذه الدراسة لم يكن فيها أي فراغ، إنها تتيح لعقلي العمل طيلة الوقت، كانت تضغط بشكل رهيب عليّ فكانت الكتابة الملجأ، قطعة الحلوى التي أحصل عليها بعد طول عمل أو بعد عناء، ثم جاءت مرحلة الدراسات العليا فوجدت أن فكرة البحث والتنقيب تلائمني وتلائم عملي الروائي”

وتتابع كساب “أول روايتين كتبتهما كانتا في مرحلة الماجستير، ثم كتبت التاليتين في مرحلة الدكتوراه، كان أستاذي يقول لي كلما حاولت التململ وترك الدراسة وخاصة بعد نشر أول روايتين: عقلك منظّم، فكنت أقول له إنّ الرواية السبب، هذا العقل المنظم هو نتيجة العمل مع الشخوص والروابط والتفاصيل، البحث العلمي كان يسند ذلك بشكل غير مباشر لتبدو العملية أكثر تكاملاً وترابطاً”

وتوضّح أنّ “العمل أتاح لي التعامل مع الجمهور، أي أنني أرى يومياً عدداً من الناس على كافة المستويات والأشكال، شخصيات متحركة ملهمة في أغلبها، وإن كانوا يلهمونني بشكل غير مباشر، فأنا لا أكتبهم أو أكتب عنهم ولكنني أحس أنهم خبراتي المؤجلة أو المستدعاة بين حين وآخر”

وتؤكد كساب أن “المشهد الروائي المصري زاخر بمبدعيه، كل يوم هناك إصدار جديد وعمل في طريقه للنور وكاتبة أو كاتب يشق طريقه الإبداعي وهذا يدعو للفرح، لست ملمة حقيقة بكل الجديد لكنني أتابع الحركة عبر السوشيال ميديا، كل حرف يُكتب يشكل مسيرة الإبداع عامة ليست الرواية فقط، مصر بلد كبير، عدد سكانه تعدى المئة مليون نسمة، أحس أن عدد الكتاب والمبدعين لابد وأن يكون أكثر مما هو عليه، هؤلاء الذين ظهروا منذ أوائل الألفية الثالثة وأنا واحدة منهم نشكل جيلاً جديداً في مصر، جيل ما بعد الحروب والقضايا الكبرى وفكرة الاستعمار وتحرير الأرض”

وتضيف “نحن الجيل الذي جاء في فترة الاستقرار، جيل له قضايا مختلفة وحياة أكثر سرعة وتطوراً ممن سبقونا، جيل لعبت التكنولوجيا لعبتها معه فأهلته لوضع مغاير، فتغيرت مفرداته وأدوات تعبيره، وأدوات حصوله على ثقافته وتعليمه، إنني أنظر إلى الأصغر سناً مني وأراهم أكثر تطوراً واختلافاً، لقد قضيت عشرين عاما من عمري مثل من سبقني في حياة لم تكن بها التكنولوجيا فأنا من الأجيال التي عرفت ألعاب الشارع وقنوات التلفزيون الأولى والثانية ثم كانت نقلة كبرى مع قنوات المحليات ثم الإذاعات المتخصصة والقنوات المتخصصة حتى انتشر الإنترنت، كنت كبرت وفجأة حدث انتقال نوعي وجذري في المجتمع، لقد عاصرت هذه النقلة الكبيرة لذلك أقول نحن إضافة مهمة، نحن لسان حال الواقع الحالي بكل مفرداته وتغيراته

Add Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *