Close
+1(437) 533-3559 info@ishtarhose.ca
الأدب يسيطر على حركة الترجمة أمّا القراءة فتحرّكها الأحداث

الأدب يسيطر على حركة الترجمة أمّا القراءة فتحرّكها الأحداث

محمد الشاذلي: المترجمون عزفوا عن الترجمة بسبب قلة المال

القاهرة –

الترجمة هي أحد المداخل الرئيسية للثقافة ومن خلالها يتحقق وجود الآخر والوصول إليه أيضاً ويخلق التكامل والتعايش الإنساني، ولذلك لن تتوقف حركتها مهما تراجعت، وثمة طروحات عديدة يمكن أن تمنحها زخماً وتفتح أمامها الأبواب للانتشار

يقول الأديب المصري محمد الشاذلي إنّ حركة الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية تراجعت كثيًرا لأسباب متداخلة، في مقدّمتها ضعف العائد المادي للمترجمين، ولا يتناسب مع طبيعة المهنة الشاقّة التي تحتاح إلى مؤمنين وموقنين برسالتها وأهميتها في مجال الحركة الثقافية

ومحمد الشاذلي ليس أديباً مصرياً فقط وله روايات عدة، بل يملك تجربة ثرية مع حركة الترجمة حيث تولى إدارة مركز الأهرام للترجمة والنشر التابع لمؤسسة الأهرام الصحافية بمصر والذي تأسس عام 1975 وأثرى المكتبة العربية بما يزيد عن 600 إصدار فى مختلف فروع الإبداع، خاصة الكتب المتعلقة بالجوانب السياسية والاقتصادية والتاريخية ما جعله من الملمين بتحدياتها وواقعها الصعب

وأكّد أنّ الجهات المتحمّسة للترجمات بمصر أصبحت نادرة وأكبرها الهيئة العامة للكتاب، والمركز القومي للترجمة أحد أذرع المجلس الأعلى للثقافة، وأمام الكيانين رغم ضخامتهما تحديات كبيرة في فرز الأعمال التي تحتاج إلى الترجمة من بين الآلاف من الإصدارات عالميًا وتوصيل المضمون بطريقة جاذبة للقراء وليس مادة مجردة خالية من التشويق

ذوق وموهبة ولغة

رغم ضرورة الالتزام بالأمانة والدقة في التعاطي مع المادة الأجنبية حال ترجمتها، إلا أن الشاذلي يؤكد أن الترجمة تحتاج إلى ذوق وموهبة ولغة وأموال، وكانت الموهبة السبب في بروز أسماء في عالم الترجمة لها جمهورها مثل ماهر البطوطي وطاهر مكي وسليمان العطار وسيد جاد ورمسيس عوض وحسن فرغل وحامد أبوأحمد وعلي البمبي في مصر، وجبرا إبراهيم جبرا وسعدي يوسف في العراق، وصالح علماني وهو أفضل من ترجم للكولومبي غارسيا ماركيز

ومع تولي الشاذلي مركز الأهرام للنشر وجّه بوصلته نحو الأعمال الروائية للمرة الأولى في تاريخه، فصدرت في 2014 سلسلة “روايات الأهرام” كانعكاس لحركة كتابة ذلك النوع الأدبي والاهتمام بنشره واتساع قراءته، وبدأت السلسلة بنشر رواية الراحل محمد ناجى “قيس ونيللي”، و”الروح الرابعة” لإدوارد فيلبس، و”شوق المستهام” للأديبة سلوى بكر، و”جنة خانة” لزكريا عبيد

صدرت لمحمد الشاذلي رواية بعنوان “عشرة طاولة” عن الدار المصرية – اللبنانية في القاهرة بعد مجموعتين قصصيتين هما “لمس الأكتاف” و”تعاسات شكلية”

ويوضح الأديب المصري أن دخول عالم ترجمة الرواية بجانب استمرار نشاط الدراسات والأبجاث الأجنبية كان هدفه مواكبة القارئ الذي بات يقبل على قراءة الأدب، مرددًا مقولة الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة المصري الأسبق عن أن العصر الحالي هو “زمن الرواية”، قائلاً إنها آية هذا الزمان لو أن أمير الشعراء أحمد شوقي عاصر عنفوانها الهادر ربما غير مقولته حين حضر افتتاح نقابة الصحافيين بمصر في الأربعينيات وقال “آية هذا الزمان الصحف.. لسان البلاد ونبض العباد”

طرح أفكار جديدة

ويضيف أنّ حركة الترجمة تعاني من العزوف بسبب إقبال المترجمين على أعمال أخرى أكثر ربحية كخدمات الترجمة الفورية في المؤتمرات أو الترجمة المعتمدة لدى المؤسسات الخاصة للراغبين في السفر أوالشركات التي تستكشف طريقها نحو التعامل مع الغرب، وأصبح الكثيرون من العاملين في المهنة يسافرون للخارج لمزاولتها بمبالغ كبيرة، الأمر الذي يحتاج إلى دور أكبر من وزارة الثقافة المصرية لدعم الحركة الثقافية في ذلك المضمار

وتكلفة إنتاج المؤلفات المحلية أقلّ كثيراً لدور النشر عن المترجمة لاعتبارات تتعلق بإضافة حقوق المؤلف الأصلي، وكانت تلك النقطة العثرة التي وقفت في طريق الشراكة بين مركزي “الأهرام” و”المركز القومي للترجمة” المتعلقة بزيادة الأعمال الأجنبية التي يتم ترجمتها والتوسع في اللغات الأخرى بدلاً من التركيز على اللغات الرئيسية فقط

ولا يعني ارتفاع التكلفة، من وجهة نظر الشاذلي، أن يتم إغفال دور حركة الترجمة كنشاط ضروري لتشكيل الذائقة والمزاج الأدبي للعشرات من الكتاب في مصر، فغالبية الأسماء الكبيرة في العالم لم يتم تسليط الضوء عليها عربياً إلا بعد ترجمة إبداعاتها، وربما كان ذلك الوازع وراء اهتمام روسيا بترجمة أعمال أدبائها الكبار خاصة أعمال الفترة الشيوعية

ويشير الشاذلي إلى أن الترجمة تحتاج إلى صبر، فالتسرع قد يضيع جماليات العمل الأصلي، ولا يمكن إغفال دور المراجع اللغوي أيضًا الذي يضيف لمسات أو يستبدل كلمات بأخرى أكثر وقارًا فيزيد من جودة اللغة المستخدمة، والقرّاء يمكنهم بسهولة ملاحظة الفرق

ويلفت إلى أن المجال الأنشط دائمًا في الترجمة العربية هو الأدب خاصة الرواية ثم المسرح، ويأتي بعدهما التاريخ، لكن حينما تثور صراعات جغرافية تتحرك القائمة ويزيد الاهتمام بالأمور اللوجيستية وربما كان ذلك المبرر وراء التركيز على قضايا بعينها، مثل تاريخ اليهود في النسخة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي اختتم فعالياته منتصف يوليو الماضي

وتابع “لو تضمّن معرض القاهرة للكتاب أعمالاً عن إثيوبيا ومنابع النيل وأدوار تركيا في المنطقة لحققت انتشارًا واسًعا، وكتب تاريخ اليهود لها أفضلية ثابتة منذ سنوات طويلة خاصة المتعلقة بالمخابرات والموساد، والأمر شبيه بالأعمال التي تحدثت عن العراق بعد الغزو الأميركي، والحرب الأهلية اللبنانية، ففي أعقاب تلك الأزمات تزيد مُعدّلات القراءة عنها لمعرفة كيفية نشوء المشكلات والواقع والتدخلات الخارجية وفرص الحل”

مقدمة بوتفليقة

يعتز الشاذلي كثيرًا بتجربة نشر كتاب “صقر الصحراء عبدالقادر.. والغزو الفرنسي للجزائر” الذي يقع فى 420 صفحة من القطع الكبير من تأليف فريد سكاون وترجمة الدكتور صبري حسن، وكتب مقدمته الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة بنفسه وحقق إقبالاً كبيرًا من طرف الجزائر لتناوله سيرة الأمير عبدالقادر الذي قاد الثورة الجزائرية وجمع بين القوة والمقاومة الممزوجة بالقيم والمبادئ الإنسانية.

ويعتبر انتقاء الأعمال الصالحة للترجمة من الأمور العسيرة على دور النشر في ما يتعلق بانتقاء عناوين مهمة ترضي القراء ذوي الاهتمامات والميول الواسعة واستشفاف المجالات التي يرغبون في الإطلاع عليها، وتقع تلك المسؤولية على لجان تشكلها دور النشر لذلك الغرض، ويجب أن تكون من أعمار متباينة ومواكبة للقضايا التي تشغل الرأي العام عالميًا ومحليًا.

ويرى الشاذلي أن الترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية شهدت قدًرا أكبر من الاهتمام حينما دخلت مؤسسات كبيرة العمل في حقلها كالجامعة الأميركية بالقاهرة التي تعاقدت على أعمال الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ ووضعت ترجمات مهمة سجلت رواجا كبيرا خاصة بعد حصوله على جائزة “نوبل” في الأدب عن رواية “أولاد حارتنا”، كما تمت ترجمة أعمال نوال السعدواي وجمال الغيطاني في فرنسا والسويد أيضًا.

رغم المنافسة الضارية التي يتعرض لها الكتاب من وسائط الاتصال الحديثة، فالمعرفة المكتسبة منه تظل الأهم

ويعتقد الأديب المصري أن الترجمة قاعدة أساسية لمخاطبة الخارج وفرض القوى الناعمة والتأثير في مثقفيها، فإحدى مشكلات مصر في أزمة سد النهضة هي عدم مخاطبة الرأي العام الإثيوبي بلغته المحلية (الأمهرية)، على عكس أديس بابا التي لديها موقع لوكالتها الإخبارية الرسمية ومواقع إلكترونية عدة تبث بالعربية.

ويقول الشاذلي إن تعليم اللغات في الجامعات المصرية لا يجب أن يظل متروكا لرغبات الطلاب، فهناك لغات يجب الاهتمام بها لأهداف تتعلق بمخاطبة الخارج ووضع مخطط لتوسيع الترجمات وتنشيط أقسام اللغات في الجامعات بشكل متوازن لتتضمن جميع اللهجات لو أمكن.

ورغم المنافسة الضارية التي يتعرض لها الكتاب من وسائط الاتصال الحديثة، لكن الشاذلي يرى أن الكتاب سوف يبقى، فالمعرفة المكتسبة منه تظل على أهميتها، ورغم شاشات الكمبيوتر والآيباد والآيفون لا يزال الكتاب الحصن الأخير ضد الرداءة والأنانية والفوضى والظلم، ومع ذلك لا ينفي اهتمامه بقراءة مضامين مواقع الإنترنت المعنية بالأدب والترجمات الأحدث التي تقدمها لبعض الأعمال القديمة.

Add Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *